الشيخ محمد زاهد الكوثري

106

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وقد بيّن ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النّحل : 17 ] وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو ؟ فقال : هو أن تعلم أنه ما باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : التوحيد إفراز القوم عن الحدوث ، فاحكموا أصول العقائد بواضح الدليل ولائح الشواهد . وقال أبو محمد الحريري رضي اللّه عنه : من لم يقف على علم التوحيد يشاهده من شواهده ، زلّت به قدم الغرور في مهواة التلف . وقال الجنيد : أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة : أن يعرف الصانع من المصنوع ، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث . وسئل أبو بكر الزاهد رضي اللّه عنه عن المعرفة ما هي ؟ فقال : المعرفة اسم ومعناه : وجود تعظيم في القلب ، يمنعك عن التعطيل والتشبيه . وقيل لأبي الحسن البوشنجي : ما التوحيد ؟ فقال : أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بنفي الصفات . مسألة وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون يشبهها ، فيجب أن تعلم أن محدث العالم قديم ، أزلي لا أول لوجوده . ولا آخر لدوامه . والدليل على صحة ذلك : أنه لو لم يكن قديما كما ذكرنا لكان محدثا ، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث أحدثه ؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى محدث لأنها محدثة . ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر ، إلى ما لا نهاية له ولا غاية ، ولمّا بطل ذلك صحّ كونه قديما أزليا . وبمثل هذا الدليل : يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها ، فافهمه ترشد ، إن شاء اللّه تعالى . مسألة ويجب أن يعلم : أن صانع العلم جلّت قدرته واحد أحد ؛ ومعنى ذلك : أنه ليس معه إله سواه ، ولا من يستحق العبادة إلا إياه ، ولا نريد بذلك أنه واحد من [ جهة العدد ] وكذلك قولنا أحد ، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ولا